❗️sadawilaya❗
أحلام الصوفي
حين تتغير موازين الميدان في ريف تعز، فإن المشهد لا يُقرأ فقط من زاوية الجغرافيا العسكرية، بل من زاوية أعمق تتصل بالهوية والسيادة والقرار الوطني. فاليمن التي دفعت ثمنًا باهظًا خلال سنوات الحرب، أثبتت أن إرادتها ليست سلعة تُشترى، وأن أرضها ليست مساحة مفتوحة لمن يريد أن يفرض عليها وصايته أو يحولها إلى ورقة في صراعات المنطقة.
تعز يمنية الأصل والهوية، وستبقى كذلك مهما تعددت المشاريع التي حاولت أن تجعل منها ساحة للصراع بالوكالة. هذه المحافظة ليست ملكًا لعاصمة إقليمية، ولا ورقة تفاوض في يد قوة أجنبية، ولا جبهة متقدمة لتنفيذ حسابات السعودية أو الولايات المتحدة أو غيرهما. تعز أرض يمنية، وأهلها جزء أصيل من هذا الشعب، ومستقبلها لا ينبغي أن يُرسم إلا بإرادة اليمنيين.
وما تكشفه سنوات الحرب بوضوح أن الارتهان للخارج لا يصنع انتصارًا حقيقيًا، وأن من يستمد قوته من المال والسلاح والدعم الخارجي يظل مرتبطًا بحسابات من يمول ويساند. قد يستمر الرهان فترة، وقد يطول أمد المواجهة، لكن النهاية لا يمكن أن تكون مستقرة ما دام المشروع قائمًا على إلغاء الإرادة الوطنية.
لقد جرى دفع اليمنيين إلى مواجهة بعضهم بعضًا، بينما كانت القوى الخارجية تدير مصالحها وحساباتها. وحين يدفع ابن اليمن ثمن معركة لا يملك قرارها، فإن الخاسر الحقيقي هو الوطن، أما المستفيد فهو من نجح في تحويل اليمن إلى ساحة لاستنزاف أبنائه.
لكن اليمن ليست أرضًا بلا ذاكرة، وشعبها ليس بلا إرادة. وكلما حاولت مشاريع الوصاية أن تتمدد، ظهرت في المقابل إرادة وطنية ترفض أن يكون القرار اليمني مرهونًا للخارج.
إن الحديث عن ريف تعز اليوم هو حديث عن وطن بأكمله؛ عن حق اليمنيين في أن يعيشوا على أرضهم دون وصاية، وأن يقرروا مستقبلهم بعيدًا عن الإملاءات، وأن تكون محافظاتهم جسورًا للحياة والتنمية بدل أن تكون أدوات في صراعات إقليمية.
والأهم من كل ذلك أن تعز لا ينبغي أن تُختزل في صورة الجبهة أو المعركة. تعز قرى ومدن ومزارع وأسر ومدارس وطرقات وتاريخ عريق. ومن حق أبنائها أن يستعيدوا حياتهم، وأن تتوقف معاناة الناس، وأن تتحول الأرض من ساحة للصراع إلى مساحة للبناء.
أما من اختار الارتهان للخارج، فإن التجربة أثبتت أن الارتزاق لا يمنح صاحبه مجدًا دائمًا، وأن الرهان على قوة أجنبية لا يستطيع أن يصنع له مكانًا ثابتًا في وجدان وطنه. فحين تنتهي الحاجة السياسية، ينتهي معها الدعم، ويبقى الإنسان أمام شعبه وتاريخه ومسؤوليته.
لهذا فإن سقوط مشاريع الوصاية لا يعني انتصار طرف على طرف بقدر ما يعني استعادة مفهوم طال تغييبُه: أن اليمن لليمنيين.
لا السعودية تملك حق رسم مستقبل اليمن، ولا الولايات المتحدة، ولا أي قوة أخرى تستطيع أن تمنح نفسها حق الوصاية على شعب يملك أرضًا وتاريخًا وهويةً وإرادة.
وإذا كانت تعز قد تحولت طوال سنوات إلى ساحة لتصفية الحسابات، فإن اللحظة التي تستعيد فيها قرارها الوطني ستكون لحظة فارقة في تاريخها. فالمحافظة التي أنجبت أجيالًا من أبناء اليمن ليست بحاجة إلى وصي، ولا إلى من يقرر عنها، ولا إلى من يستخدم أبناءها وقودًا لمعارك الآخرين.
تعز يمنية، واليمن لا تقبل الوصاية.
هذه ليست مجرد عبارة تُقال في مناسبة، بل مبدأ يرتبط بكرامة وطن بأكمله. فمن أراد لليمن أن يكون تابعًا سيصطدم بإرادة شعبه، ومن أراد أن يجعل تعز بوابةً لمشروع خارجي سيكتشف أن الأرض أعمق من الحسابات السياسية، وأن الهوية أقوى من المال، وأن الوطن أبقى من كل التحالفات العابرة.
إن زمن الرهان على الوكلاء لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، ومهما طال عمر الارتهان فإن مصيره الانكشاف والفشل، لأن الأوطان لا تُبنى بالوكالة، والسيادة لا تُستأجر، والكرامة الوطنية لا تُمنح من الخارج.
اليمن وطنٌ لا يقبل الوصاية، وتعز جزءٌ أصيل منه، وستظل يمنية الأرض والهوية والقرار.